تخطيط المدن

صفاء ابوبكر

مشرف قسم
طاقم الإدارة
تعود أصول التخطيط الحضري Urban Planning في المحاولات الأولى للإصلاح الاجتماعي والتي نتجت عن سوء أوضاع الحياة والسكن في المدن في بدايات الثورة الصناعية في أوروبا وذلك في بداية القرن التاسع عشر ،الذي عكس جهوداً ذات علاقة بالتخطيط مثل ظهور الحركة الترفيهية والتي بدأت في أعداد المتنزهات الواسعة وتطوير الموارد الطبيعية كما انعكس في تخصيص ملاعب وساحات أُنشأت في المناطق المزدحمة بالسكان.

إلا أن البوادر الأولى للتخطيط ظهرت في وادي النيل سنة 332 ق.م حينما وضعت خطة موضوعية لمدينة الإسكندرية وضعها دينوقراطيس ،وربما كان تخطيط الشوارع أولى مظاهر تخطيط المدن .في فرنسا منذ سنة 1607 صدر مرسوم ملكي يمنع تعدي الأبنية على الطرقات العامة وتلا ذلك أنشاء بلديات للمدن ووضعت قواعد منظمة للشوارع واستخدامات الأرض في المدينة.

وظهرت أفكار جديدة على أيدي مخططي المدن أمثال لوكوربوزيه Le Corbusier في العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين ارتبط اسمه بتخطيط المدن الحديثة وتحديد مناطق استعمالات الأرض داخل المدن واستحداث أفكار جديدة كالمساكن الجماعية وإنشاء المناطق الخضراء.

واسهم المخطط البريطاني هوارد Howard الذي وضع أساس ما يعرف بالمدينة الحدائقية Garden city تصميماً وتنفيذاً في كتاب صدر له عام 1898 باسم المدن الحدائقية في الغد وطبقت أفكاره في بعض مدن العالم مثل لندن .

تعريف التخطيط
يعرف التخطيط بشكل عام بأنه أسلوب موجه وعمل منضبط يهدف إلى وضع الخطط للاستفادة من كل الطاقات المتاحة ضمن الدولة من خلال الاستخدام الأمثل للموارد الاقتصادية والبشرية والتوجيه الواعي لها لتحقيق أهداف اجتماعية ضمن إستراتيجية مقررة وخلال مدة زمنية محددة.

ويبرز على أساس هذا التعريف للتخطيط الشامل مفهوم تخطيط المدن الذي يكرس لدراسة المناطق الحضرية من حيث تطورها وعلاقاتها مع بعضها وإمكانيات تحضرها من عدمه .ويهتم التخطيط الحضري بإعداد خطط حضرية للمدن مجتمعة أو انفرادية وهو بهذا يتألف من اتجاهين يهتم الأول بوضع الخطط على مستوى المدن في الدولة أو إقليم معين منها فيما يدرس الثاني مدينة واحدة وذلك بوضع خطط لمجمل فعاليات المدينة من حيث توافر أماكن العمل والسكن والخدمات الأساسية الأخرى.

ويعرف التخطيط الحضري أيضا بأنه الإستراتيجية أو مجموعة من الاستراتيجيات التي تتبعها مراكز اتخاذ القرارات وتوجيه وضبط نمو وتوسع البيئات الحضرية بحيث يتاح للأنشطة والخدمات الضرورية أفضل توزيع جغرافي وللسكان اكبر الفوائد من هذه الأنشطة الحضرية.

ويمثل التخطيط الحضري التكوين النهائي للدور والمدارس وطرق المواصلات والمراكز الصناعية والتجارية والمتنزهات والعناصر المتعددة للبيئة الحضرية بحيث تكون أكثر عطاء وإنتاجية وملائمة للجميع والنتيجة الثلاثية الأبعاد لذلك تجمع بين الجانب المعماري والتصميم المدني وجمالية المشهد الحضري .

وبالنظر لتعدد وجهات النظر حول تعريف التخطيط الحضري فانه بالإمكان وضع خصائص وسمات يجب أن تتوفر في أي عملية للتخطيط الحضري وهي :

1- إن تشمل عملية التخطيط الحضري على معايير كيفية وكمية على أساسها يتم تخطيط المدينة.

2- إن يعمل على التوازن والتوفيق بين تصورات الجهات الإدارية والعوامل التي تؤثر في المجتمع .

3- إن يحصل التخطيط على دعم الدولة لغرض التأييد أولا ثم التنفيذ.

4- إن يتضمن شروط الذوق والجمال الفني والوظيفة الملائمة للجميع في المجتمع.

5- لابد أن يعكس نزعة تجريدية توفق بين الماضي والحاضر واحتياجات المستقبل.

6 إن يعكس التخطيط الحضري القيم الاجتماعية والأخلاقية والجمالية والاقتصادية في المجتمع.

7- إن يتضمن قواعد وأسس واضحة لاستعمالات الأرض والانتفاع بها في البيئة الحضرية .

أنواع المخططات

هناك أنواع عديدة للمخططات فهي تتراوح من التخطيط العائلي إلى التخطيط القومي.عموما تقسم المخططات إلى عامة وابتدائية ومحددة.

1- المخطط العام : في المخطط العام تؤخذ نظرة عامة للإقليم بشكل شامل وعلاقة المدينة بهذا الإقليم من مختلف النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وهو ما يسمى بالمخطط الجماعي الشامل ويتضمن دراسة المخطط إعطاء الأولوية لمشاريع معينة لها علاقة بخطة الدولة العامة للوصول إلى انتعاش اقتصادي لكافة أقاليم الدولة.

والمختصون الذين لهم علاقة بهذا المخطط هم : المعماري ،وعالم الاجتماع،والفنان ،ورجل القانون،والمهندس المدني ،والجغرافي،والجيولوجي ،والاقتصادي ،والسياسي.

2- المخطط الابتدائي (الوظيفي) :وفيه تحدد وظيفة كل مختص ،فمثلا عند دراسة توصيلات المياه بشبكة المجاري ،أو مناطق التسلية والترفيه ،أو تجميع الفضلات الصلبة والتي أقرت بالمخطط العام ،يجب على كل مختص وضع التفاصيل العريضة عن كل فقرة سالفة الذكر مع تحديد كلف كل فقرة وبالتالي الكلف الإجمالية وبيان الفوائد والإضرار الناتجة عن كل فقرة .

3- المخططات المحددة بعد إقرار المخطط الابتدائي يأخذ الصيغة القانونية وتحدد له الميزانية من الأصول الرسمية ثم ينتقل إلى مرحلة التنفيذ أو ما يسمى بالمخطط المحدد وذلك باختيار مهندس استشاري الذي يمكن أن يكون المخطط الابتدائي نفسه وكذلك تحضير الخرائط والمواصفات والعقود وغيرها من النقاط التفصيلية الأخرى.

يعتمد التخطيط الحضري على توفر المعلومات والدراسات الخاصة بالمدينة من حيث الموقع والطبيعة الجغرافية والدراسات الاقتصادية والاجتماعية والمساحة المرغوبة لحيازة الأرض في كل منطقة من مناطق المدينة والتوسع المفضل بالنسبة إلى التسهيلات وإمكانية الوصول والتلوث (الماء والهواء) والدفاع العسكري والحيازة للأرض مستقبلا بالقياس مع حجم السكان المتوقع. وبطبيعة الحال فان هنالك علاقة وطيدة بين الموقع والوظائف التي تتوفر في المدينة من حيث استعمالات الأرض للإغراض الصناعية والتجارية والمناطق الخضراء وعلاقاتها بشبكة النقل الداخلي فلا يمكن التخطيط لهذه الاستعمالات دون الأخذ بالعلاقة التي تربط بين هذه الأنشطة وبين حجم السكان المتوقع .

تجدر الإشارة إلى أن الموقع الخاص بالمدينة يدرس من النواحي الاقتصادية والاجتماعية حتى السياسية ،وترتبط استعمالات الأرض والتركيب الداخلي للمدينة والخطة الجديدة لها بالموقع ، فيؤثر ويتأثر فيه من حيث التوسع شمالا أو غربا أو التوقف في التوسع .

ويتأثر موقع المدينة وتصميمها الداخلي بأهمية تلك المدينة كمركز سياسي ،صناعي ،تجاري ،زراعي وحاجة ذلك الموقع إلى توفر المياه ،الطاقة ،مناطق تستخدم كطرق نقل وتوفرا لموارد الطبيعية بالقرب منها ،وتتوسع المدينة باتجاهات محددة حسب التصميم الحضري لها.

ومن الضروري جدا في الوقت الحاضر أن يهتم الجغرافي بالتصميم الحضري للمدينة من حيث علاقة المدينة بالأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المراد تطويرها وتأثير العوامل الطبيعية على تطور المدن أو توسع تصميمها فيما يخص المناخ المحلي اتجاه الرياح وسرعتها وطبيعة التربة وصلاحيتها للبناء أو للاستغلال الاقتصادي ودرجة تلوث الماء والهواء.

أهداف تخطيط المدن

إن الأهداف البعيدة للتخطيط هي اجتماعية بواقعها على الرغم من أن الخطط نفسها تتصل بالجوانب الطبيعية والأماكن الطبيعية وان المخططات تعتمد على قيم اقتصادية بعيدة ومتوسطة الأمد تؤثر بدورها على فعاليات الإنتاج والتوزيع والانتفاع بالثروة .وضمن هذا الإطار يصبح من وظائف التخطيط الحضري ما يأتي :

1- تحديد استعمالات الأرض الحضرية بحيث يؤدي كل استعمال منها دوره بأقل تكلفة وان يؤدي كل استعمال علاقاته الوظيفية بايجابية.

2- ربط أجزاء المدينة من جهة ومع عالمها الخارجي بشكل متفاعل من جهة ثانية .

3- تطوير كل قسم من أقسام المدينة وفق مستوى معقول من نواحي الحجم والإضاءة والأماكن الخضراء في المناطق السكنية وأماكن وقوف السيارات في المناطق التجارية.

4- التأكيد على أن تكون البيوت قوية البناء وصحية ومريحة ومبهجة بالنسبة للمناطق السكنية المختلفة لكي تنسجم والحاجات المتعددة لكل أنواع وإحجام الأسر مع الاهتمام بإشكالها المتغايرة ورغباتها المختلفة.

5- تعيين أماكن قضاء وقت الفراغ والخدمات الأخرى التي يحتاجها المجتمع الحضري والذي يتميز بكبر حجمه وموقعه ونوعيته.

6- الاهتمام بالماء المجهز وتصريف الفضلات والمنافع الأخرى والخدمات العامة التي يجب أن تتم بشكل فعال واقتصادي .

7- الأخذ بنظر الاعتبار التطورات المستقبلية لمتغيرات المدينة استعمالات الأرض ،النمو السكاني ،شوارع المدينة ،الخدمات العامة،البنى الارتكازية (الاساسية).

التصميم الأساسي
هو وضع خطة شاملة للمدينة تحدد فيها جميع الظروف الاقتصادية والاجتماعية أي وضع تصور مستقبلي أو إطار عمل يتعامل مع وحدتي الزمان والمكان لمجتمع المدينة وإقليمها ولمدة زمنية طويلة تصل إلى خمسين سنة.

وينظر إلى التصميم الأساسي على انه عبارة عن الخريطة الأساسية التي تمثل تطور المدينة أو انه يمثل مخطط استعمالات الأرض Land Use Plan أو تخطيط الأرض ،كما يربطه آخرون بالمكان وتستعير تسميتها من التخطيط المكاني ومنهم من يعتبر التخطيط العمراني انسب التسميات لهذا النمط من التخطيط .وهناك تعريف آخر للتصميم بأنه الدليل الذي يرشد المجتمع إلى النمو والتطور عن طريق الأعمار العام والخاص .

ويدرس التصميم الأساسي الظروف الحالية خصوصا الاقتصادية لتعينه في ذلك على تحديد الأساس الاقتصادي للمدينة مستقبلا وكذلك تحديد وظيفة المدينة الرئيسة ووظائفها الفرعية أو الثانوية ومدى التوقع في تغير الوظائف مستقبلا .ثم يدرس الإمكانيات الطبيعية والاقتصادية والبشرية للتوسع واتجاهات النمو ومسار التوسع وأي اتجاه له وكيف سيكون شكل المدينة النهائي .

وفي التصميم الأساسي يتم تحديد الشوارع الرئيسة والفرعية منها وسعتها في كل منطقة أو نطاق أو حي سكني وصولا إلى القطعة السكنية وتحديد أماكنها وسعة القطعة السكنية وهكذا بالنسبة للاستعمالات الأخرى .

فدراسة السكان تعد من أكثر ضرورات التصميم الأساسي أهمية وذلك لأنه المحرك الرئيس الذي يتم على أساسه تحديد بقية متغيرات المدينة ،ويتم في هذا الباب دراسة السكان في سنة إعداد التصميم الأساسي مع حساب توقع النمو السكاني .فضلا عن وضع حدين أعلى وأدنى للنمو السكاني .إن الرقم المعتمد في نهاية كل مرحلة وفي نهاية مدة التصميم الأساسي أهمية بالغة في تحديد وتصميم تفاصيل المخطط العام مثل الخدمات التحتية،وسعة الشوارع ،والسكن ،والخدمات المجتمعية الأخرى .

أهداف التصميم الأساسي

يهدف التصميم الأساسي إلى:
1- تطوير وتحسين الحياة في المستوطنة الحضرية (استعمالات ارض،ومواصلات ،وسكن ،وخدمات تحتية ،وخدمات مجتمعية.........الخ).

2- السيطرة على النمو الذي قد يكون سريعا وكبيرا وتشجيع النمو الأمثل وظيفيا .

3- تطوير شبكة الشوارع والمواصلات بطريقة ترفع كفاءتها إلى الحد الأعلى الممكن وتطوير أنماط استعمال الأرض وتوزيعها بطريقة تقلل الحاجة إلى الحركة إلى الحد الأدنى الممكن .

4- تطوير استعمال الخدمات الارتكازية والمجتمعية القائمة حاليا إلى أعلى ما يمكن .

5- تقليل كلفة التطوير الحضري إلى الحد الذي يمكن للسلطة التخطيطية المسئولة عن المدينة توفيره .

6 – حماية وتطوير الخزين من الموروث المعماري والتخطيطي .

7- حماية وتطوير الأنماط الحضارية الحياتية الموروثة أيضا.
 
أعلى